مشوار مع صباح
الحلقة 18

وفي آخر الليل سألها رشدي أباظة: هل نتزوّج؟
كتب الراحل محمد بديع سربيه
عام 1979:

على امتداد سنوات عديدة، وبعد انتقالها من القاهرة الى بيروت حاولت صباح أن تندمج في الحياة اللبنانية اندماجاً تاماً، بل وأن تأخذ لنفسها طابعاً لبنانياً صرفاً في أغانيها والأدوار التي تمثلها سواء على المسرح، أم في الأفلام التي كانت في ذلك الحين تنتج في لبنان!.
لقد استطاعت صباح بالفعل أن تكون نجمة بارزة في الصالونات والمجتمعات اللبنانية... وبالأخص المجتمعات الأرستقراطية التي توصف بـ«المجتمعات المخملية» أو «مجتمعات السنوب»..
إن هذه المجتمعات كانت في أغلبها تعيش حياة كلها تصنّع وتكلّف...
إن الكلام العربي لا وجود له...
الأيدي تتصافح من خلال القفازات...
الابتسامات لا تخرج من القلب، بل من أطراف الشفاه... وللمجاملة فقط!.
التنافس بين سيدات هذه الجتمعات محصور كله في المظاهر.
ولا شيء يثير الاهتمام في أي سهرة سوى مستوى الأطباق التي تزدحم فوق الموائد..
وحركت صباح هذا النوع من الحياة الاجتماعية..
انها كانت تدخل اليها وهي ترفل في أناقة بالغة ومبتكرة، وتزهو بالتسريحات المبتكرة التي كان الكوافير نعيم يبدع في صنعها لها!.
ثم إنها كانت تجيد الفرنسية مثل أهل الطبقة المخملية، أي كانت قادرة على معايشة عادات وتقاليد وتقاليع هذه الطبقة...
ولكن ما جعل صباح نجمة مرموقة في هذه المجتمات هو أنها كانت لا تتخلى فيها عن المرح، ولا تتحول الى صنم أنيق، ولا تكتفي بعرض أناقتها وجمالها..
إن ضحكاتها كانت تدوي في كل سهرة...
وحركتها لا تهدأ..
وإذا ما طلب منها الغناء، فإنها تلبي الطلب ببساطة وسخاء، ولا تشترط مثلاً أن يكون معها فرقة موسيقية، ولا تتهرب من الغناء بحجة أنها متعبة الصوت..
وجاءت أيام كانت صباح فيها تدعى الى كل حفلة أو سهرة اجتماعية راقية تقام في صالونات بيروت، وعن طريق هذه الحفلات والسهرات عرفت آلاف الشخصيات والعائلات وارتبطت معها بصداقات وثيقة... والصبوحة هي أحسن من تكتسب الصداقات، وتمارس المجاملات، وتغدق الابتسامات وقلّ أن تخاصم أحداً أو تجعل أحداً يخاصمها...
إنها من هذه الناحية ديبلوماسية من الطراز الممتاز...
وذكية بحيث لا تجعل مشاعرها الخاصة نحو الأشخاص الذين تعرفهم تحدد نوعية تعاملها معهم!
والمهم، أن صباح استطاعت بكل ما عندها من مزايا وصفات أن تبرز كأحسن ما يكون في المجتمع اللبناني.. وأيضاً كانت ذكية الى الحد الذي اكتسبت فيه الصداقات عند كل الفئات والطبقات دون أن يكون لذلك تأثير على ميولها أو عواطفها، أو مشاعرها!.
على أن صباح، بالرغم من اندماجها التام في الحياة الاجتماعية اللبنانية ومعايشتها الذكية لكل ما فيها من تيارات ومتناقضات، كانت ما زالت تحن الى المجتمعات الفنية القاهرية التي هجرتها ولم تعد تربطها بها إلا علاقات واهية، وبدافع هذا الحنين كانت تهرع دائماً الى لقاء من يزور بيروت من أصدقائها وصديقاتها القدامى من أهل الفن في مصر، فتقضي معهم السهرات، وتقيم لهم في بيتها الحفلات، وتعيش معهم أحلى الساعات...
ويوماً، جاء الى بيروت رشدي أباظة ليمثل في فيلم سينمائي تصور مشاهده في لبنان، وكانت هذه هي الموضة يومئذٍ في معظم الأفلام المصرية...
وكان في بيروت نادٍ ليلي اسمه: «الكاف دو روا» يطول فيه السهر كل يوم الى مطلع الفجر ويؤمه نجوم المجتمع الراقي، وأكثر الذين يزورون بيروت، ويريدون أن يروا جانباً من حياتها المبهرة..
إن صباح كانت تدعى للسهر دائماً في هذا النادي..
ورشدي أباظة لأنه لا يحب النوم إلا عندما يشرق الفجر، فإنه رأى في «الكاف دو روا» المكان الوحيد الذي يمكنه من استهلاك ساعات الليل الطويل..
والتقى رشدي أباظة مع صباح، أكثر من مرة في سهرات هذا النادي...
أحياناً يكون هو على البار، وتكون هي مدعوة على مائدة أصدقاء وصديقات فيتبادلان التحية بالأيدي من بعيد لبعيد...
ومرات كانا يجلسان على مائدتين متجاورتين، فيدور بينهما حديث مرح وضاحك...
والصداقة بين صباح ورشدي أباظة قديمة...
إنها تعرفه منذ أن كان زوجاً للراقصة المشهورة تحية كاريوكا...
ثم إنها مثلت معها في أفلام كثيرة..
وآخر فيلم جمع بينهما، قبل مغادرتها مصر، كان فيلماً من إخراج عز الدين ذو الفقار، وقد حضرا معاً عرضه الأول في سينما «دنيا» في بيروت، وكاد استلطاف بسيط أن يتحول بينهما الى علاقة حب، لولا أن صباح كانت ما تزال في مرحلة تصفية رابطة الزواج بينها وبين المذيع أحمد فراج، ولولا أن رشدي أباظة كان قد شرع في تلك الأيام بكتابة السطور الأولى من قصة الحب الكبيرة والطويلة بينه وبين حافية القدمين الراقصة سامية جمال!.
والذين كانوا يتابعون الابتسامات والنظرات، والهمسات، المتبادلة بين صباح ورشدي أباظة في سهرات «الكاف دو روا» لم يكن يخفى عليهم أن النجم المفتول العضلات قد بهرته صباح بشخصيتها البراقة في مجتمعات بيروت الى الدرجة التي كان يصف فيها الصبوحة بقوله إنها الليدي بتاعة لبنان..
ومن ناحية ثانية، فإن عيون الفضوليين لم يكن يخفى عليها أبداً أن صباح مفتونة بشخصية رشدي أباظة، ورجولته، وثقافته، وفوضويته، بل أن ما كان بادياً عليها هو أنها توقظ إعجاباً جارفاً به كانت تكتمه قبلاً في أعماقها، وكان هذا الإعجاب قد أخذ يكبر وينمو أمام ما كانت تراه عند نساء كثيرات في مجتمع بيروت من لهفة اليه..
وذات سهرة، جمع أصدقاء بين صباح ورشدي أباظة على مائدة واحدة، وفي «الكاف دو روا»... وغابت صباح بين يدي مفتول العضلات وهو يراقصها..
وهمس لها بأرق الكلمات وأعذبها.
واعترفت له بأنه هو حبها الكبير... ومن زمان طويل!
وسألها:
• ولكن... هل أجد لي مكاناً في قلبك... وأنا أجد الزحام حولك على أشده..
وهمست صباح بحزن:
- صدقني.. عمري ما أحسست بفراغ القلب مثل ما أحس به الآن...
ولم تكن صباح تكذب... بل كانت تعترف بالحقيقة التي كانت مريرة جداً بالنسبة اليها...
إنها منذ عادت من القاهرة مطلقة من أحمد فراج واستقرت في بيروت، وهي لا ولم تعرف طعماً أو مذاقاً للحب الحقيقي، أي الحب الذي ما إن تحس به صباح حتى تحاول أن تصل الى الزواج!.
صحيح أنها عرفت الكثير من المعجبين..
أثرياء..
أمراء..
ناس كبار في السن، وشبان في سن المراهقة..
أشخاص لهم مكانتهم في المجتمع..
أصحاب نفوذ وسلطة..
ولكن... كل من عرفتهم على مدى السنوات الخمس، كانت تعايشهم بنفاق عاطفي، ولا استطاع أحد منهم أن يدخل الى أعماق قلبها، ويحمله على أن تفكر به كزوج وشريك حياة طويلة أو قصيرة!.
.. وطال الحديث بينها وبين رشدي أباظة وهما في باحة الرقص وهي تلقي برأسها على صدره وتتكلم.. وهو يأخذها بين ذراعيه القويتين.
وقال لها، قبل أن تصل القصة الى نهايتها:
• أريد أن أكون معك لوحدك.. بدون ناس على الإطلاق.. ما رأيك لو نسهر غداً هنا على مائدة صغيرة لا يكون عليها إلا أنا و... أنت!
أجابت:
- هذه هي أمنيتي!.
وكانا معاً على المائدة الصغيرة في «الكاف دو روا» في زاوية منعزلة وبعيدة عن رقابة العيون الفضولية..
وبعد أول كأس، سألها:
• هل نرقص؟!.
قالت ضاحكة:
- ولماذا؟. إننا كنا نرقص بالأمس لكي نهرب من المائدة المليئة بالناس ونتكلم، أما الآن فنحن هنا وحدنا، ونستطيع أن نتكلم كثيراً.. وبحرية!.
وشرب رشدي أباظة كأساً ثانية. وفي بداية السهرة كانا يجلسان في مواجهة بعضهما...
وقالت صباح:
• أحس وكأنك بعيد عني جداً!.
وفوراً قام النجم المفتول العضلات من مكانه، وجلس الى جانبها واحتضنته، والتقت شفاههما في قبلات طويلة، ونسيا كل ما حولهما ومن حولهما!.
وطالت السهرة، وأوشك الليل أن يمضي..
وقبل أن يشرق فجر يوم جديد، فاجأ رشدي أباظة صباح بقوله:
• صباح... أنت حبي!.
وردت هي قائلة:
- وأنت حياتي..
وسألها بلا مقدمات:
• هل نتزوج؟
وكان سؤالاً لم تنتظره صباح أبداً ولا تتوقعه...
إنها كانت تعيش أحلى الساعات وهي بقربه..
وكانت مبهورة بشخصيته!
وفخورة بأنها وحدها التي استحوذت على إعجابه بين كل الصبايا اللواتي كن يلاحقنه في سهرات بيروت..
ولكن.. أبداً لم تكن تتوقع أن يطلبها للزواج!!..
وظنت أنه أكثر من الشراب، وقال ما قاله بلا تفكير.. فأجابته:
- موضوع الزواج شائك وصعب جداً بالنسبة لي.. وبالنسبة لك..
قال:
• إذا كان صعباً بالنسبة اليك.. فهو سهل جداً بالنسبة لي...
وأرادت أن تؤجل الكلام في هذا الموضوع، لا من قبيل التهرب، وليس لأنها لا تريده، وإنما لأنها تحب أن تبحث مع رشدي أباظة حكاية الزواج في حالة عادية... وليس متأثراً بالشفافية العاطفية التي تغمر نفسيته عادة بعد عدة كؤوس!.
وقالت له:
• غداً... في أي وقت، نلتقي ونتكلم، وندرس حكاية الزواج.
وشدّ على يدها بحرارة وقال:
أنا اتخذت قراري... أريدك زوجة لي... وعليك غداً أن تدرسي الأمر لوحدك!.
وألتقي صباح في اليوم التالي..
وتهمس لي:
• أتعرف؟ رشدي أباظة يريد أن يتزوجني!.
وأسألها:
- وأنت؟ هل توافقين؟
- أجابت:
• إنني حائرة.. ولكن إذا وافقت فلأنني قد تأكدت من أنه يحبني بشكل غير عادي..
قلت:
- وما الذي يؤكد لك هذا الحب؟
وهزت برأسها عندئذٍ وقالت:
• لأن الحب وحده هو الذي يجعل نجماً محبوباً مثله يدير ظهره لكل الصبايا، ولا يطلب الزواج إلا مني أنا التي وصلت الى سن الأربعين؟
وأدركت هنا أن صباح بقدر ما بهرها رشدي أباظة بشخصيته، بقدر ما نفذ بنفسها كامرأة بلغت سن الأربعين، وما زال هناك من يحبها بعنف، ويسعى للزواج منها ويفضلها على من هم أصغر منها بجيل كامل!.
ولكن..
ومع كل ما لمحته في عيني صباح من لهفة على أن يتحقق زواجها من رشدي أباظة، فقد استطعت من خلال كلمات سمعتها منها بأن زواجها، أو أول زواج لها بعد خمس سنوات، هو مغامرة.. بل أكبر مغامرة تقدم عليها!!..
و... للذكريات بقية!.
«محمد بديع سربيه»
 
 
   
ذكريات مع كبار نجوم الفن و المشاهير بقلم الراحل بديع سربيه
 
 
مسلسل  
الموعد قبل ألف عدد  
من القلب  
خواطر شعرية بقلم رانية سربيه  
مجتمع