القائمة الرئيسية

تابعونا على
Facebook icon
Twitter icon
Instagram icon

مشوار مع فاتن حمامة «3» : ورفضت نصيحة أحمد سالم!

تنشر «الموعد» في «شارع النجوم» مجموعة من المقالات التي كتبها رئيس تحرير «الموعد» الراحل محمد بديع سربيه، وهي لا تتبع التسلسل الزمني، بل تتنوع مواضيعها ومضمونها مع تنوّع النجوم الذين رووا ذكرياتهم وتحدثوا ومشوا في «شارع النجوم».

كتب الراحل محمد بديع سربيه عام 1979:
 
ارتفع صوت المخرج هنري بركات من بعيد منادياً:
• مدام فاتن تفضلي..
وكان معنى هذا النداء أن الاستعدادات قد تمت لالتقاط مشهد جديد من فيلم «ولا عزاء للسيدات» وأن على سيدة الشاشة العربية أن تقوم من المكان الذي تنتظر فيه تحت الشجرة الوارفة الظلال في حديقة الفنون بشارع الهرم، وتتجه الى المكان الذي سيتمّ فيه تصوير المشهد.
إن فاتن حمامة تنفست الصعداء بعد أن طال انتظارها، وبقيت وحدي تحت الشجرة، ومن بعيد رحت أرقبها وهي تمثّل المشهد المطلوب باندماج وإبداع، في لحظات تحوّلت من إنسانة وديعة رقيقة، الى سيدة عنيفة تتمرّد على زوجها، وهي الشخصية التي تمثّلها..
إنني ما زلت أذكر كيف أن يوسف وهبي كان فخوراً جداً بفاتن حمامة عندما عُرض فيلم «ملاك الرحمة» وأنه، بعد أيام من عرض الفيلم أعطى أوامره بأن يتغيّر مكان إسمها في الإعلانات فلا يكون بعد إسمه وإسم راقية ابراهيم، التي كانت بطلة الفيلم، وإنما يوضع إسم فاتن  حمامة على قدم المساواة مع إسمي يوسف وهبي وراقية ابراهيم..
ولقد أراد أحد الصحفيين مجاملة يوسف وهبي بعد نجاح فيلم «ملاك الرحمة» فكتب مقالاً هنأه فيها «على اكتشافه السينمائي الجديد الذي هو الممثلة الممتازة فاتن حمامة، وبالرغم من أن الفنان الكبير كان سعيداً بأنه قدّم الى السينما العربية نجمة من الدرجة الأولى بل والممتازة، فإنه رفض أن ينسب لنفسه فضل اكتشافها، وكتب رداً يقول فيه: «إنني في الواقع قدّمت فاتن حمامة في فيلمي ولم «أكتشفها».. وأظن أن ما تتمتّع به من المواهب الفنية العالية يجعلها لا تحتاج الى من يكتشفها، وهي لو لم تظهر في فيلمي لكان النجاح حتماً بانتظارها في أفلام عديدة مقبلة»..
وهنا أعترف بأنني عندما رأيت  فاتن حمامة في حفلة الشاي التي دعتني اليها مجلة «دنيا الفن» لم تغب عني ولو للحظة واحدة ملامح «النجومية» فيها، ليس كممثلة فقط، وإنما كإنسانة راقية أيضاً..
إنها في يوم الحفلة كانت ما زالت ممثلة ناشئة، لم تكن قد مثّلت غير فيلم واحد هو «ملاك الرحمة» ومع ذلك فقد كانت شخصيتها طاغية في الحفلة التي ضمّت العديد من المشاهير، والذين لهم تاريخهم الطويل في الحياة الفنية، بل إن الجميع من صحفيين وفنانين ومنتجين، كانوا يتنافسون في التودّد اليها، وأيضاً في الاقتراب منها لالتقاط صور معها..
ترى، هل إن الجميع كانوا يقرأون على لوحة المستقبل أن هذه الفتاة التي لم تصل بعد الى سن العشرين سوف تكون في وقت قريب سيدة الشاشة العربية، والنجمة التي تظلّ متربعة على قمة النجاح ثلاثين سنة متواصلة؟؟.
والمهم أنني كنت أيضاً أحد الذين اجتذبتهم شخصية فاتن حمامة طوال الحفلة، بحيث رأيت نفسي مهتماً بها أكثر من النجوم والمشاهير الذين كانوا في الحفلة، بل ورغم لهفتي لسماع قصة الحسناء اللبنانية كهرمان على حقيقتها من فم يوسف وهبي، فإنني آسف على الوقت الذي ضاع في الاستماع الى هذه القصة، لا لشيء، وإنما لأن فاتن حمامة كانت قد استأذنت وغادرت مكان الحفلة في الوقت الذي كنت فيه مشغولاً بسماع قصة كهرمان من يوسف وهبي!.
وبقيت بعد حفلة الشاي حلقة  فنية ضيقة من الذين كانوا مدعوين اليها، وكانت حبة العقد فيها الممثلة الحسناء عفاف شاكر، وكانت يومها ممثلة محبوبة، ولكن غير معروفة إلا في نطاق فني محدود، لأن أزماتها الشخصية كانت تحول دائماً دون تفرّغها لعملها الفني، ولو أنها تفرغت فعلاً، لما كان صعباً عليها أن تصبح مع الأيام نجمة أولى، وأن تصل الى ما وصلت اليه فيما بعد أختها النجمة اللامعة شادية!.
إن الحلقة الفنية التي كانت تضم عدداً من الصحفيين والفنانين، والتي بقيت بعد انتهاء حفلة الشاي في دار «دنيا الفن» لم يكن هناك ما يشغلها سوى الحديث عن فاتن حمامة، والمستقبل الذي ينتظرها، والنجاح الذي حقّقته، والنجمات اللواتي سوف ينطفئ بريقهن بسبب ظهورها..
ولقد انضم الفنان النجم أحمد سالم الى الحلقة في منتصف الحديث، وعندما سُئل عن رأيه في النجمة الجديدة سارع الى القول:
• إنها أول ممثلة عربية يمكن لي مقارنتها بممثلات أوروبا..
وصفق الجميع لهذا الرأي من النجم الأرستقراطي الذي اشتهر عنه أنه قَلَّ أن يمتدح أحداً، بل كان لا يعجبه العجب في السينما المصرية ويقول: إنها لن تصبح سينما إلا إذا وصلت الأفلام المصرية الى المستوى الذي يؤهلها لأن تُعرض في الخارج..
وهكذا طال الحديث حول فاتن حمامة..
وفجأة، تنبهت الممثلة الجميلة عفاف شاكر وتذكرت أن تقو ل لي:
• على فكرة، إن فاتن طلبت مني إبلاغك أنها سوف تنتظرك على الغداء بعد غد..
قلت:
- ولكنها قالت لي إن والدها سوف يتصل بي..
أجابت عفاف شاكر:
• لقد جاء والدها لاصطحابها الى البيت واتفقت معه على موعد دعوتك الى الغداء، وأرادت أن تبلغك بالموعد، ولكنك كنت مشغولاً بالحديث مع يوسف وهبي..
قلت:
- حسناً.. سأكون عندها بعد غد..
وهنا، انتحى بي أحمد سالم جانباً وقال لي:
• ستذهب الى فاتن حمامة... أليس كذلك؟
قلت:
- هي أرادت مشكورة أن تدعوني الى الغداء، ولا أستطيع أن أرفض دعوة إنسانة وفنانة مثلها أحببتها واحترمتها من أول لحظة عرفتها فيها.
وقال لي أحمد سالم:
• إذن، فإن عندي نصيحة هامة لفاتن حمامة أرجو أن تحملها بنفسك اليها..
وضحكت وقلت:
- فاتن حمامة كانت هنا، على بُعد أمتار قليلة منك، فلماذا لم تهمس في أذنها بالنصيحة التي تريد الآن أن أنقلها اليها..
وقال النجم الأرستقراطي:
• لم يكن مناسباً أن أقولها لها أمام الناس، وبوسعك أن تقولها لها بينك وبينها!.
قلت له:
- حسناً.. ما هي النصيحة؟
فأجاب:
• ألاّ تمثّل أبداً في فيلم من إخراج أنور وجدي..
واستغربت النصيحة، فسألته:
- ولكن.. لماذا؟
فشرح أحمد سالم وجهة نظره وقال:
• لأنها هي ممثلة راقية وهو مهرج.. وأفلامه كلها تهريج في تهريج وفاتن تمثّل بالنسبة لنا الأمل في أن نتخلص من التصنّع والإثارة والافتعال في التمثيل، ولهذا أريدها أن تكون في دنيا تختلف عن الدنيا التي تعيش فيها الممثلات الآن..
وقلت له:
- ربما أخالفك في الرأي بالنسبة لأنور وجدي، ولكنني على كل حال سوف أنقل نصيحتك الى فاتن حمامة!
وبالفعل، ذهبت الى بيت فاتن حمامة، وكان يومئذٍ في شارع «المنيرة»، وكانت قد دعت الى الغداء عدداً من الزملاء أيضاً، وطالت جلستنا، وتعدّدت المواضيع التي نتحدث فيها، وفاتن تتصرّف في الجلسة رغم صغر سنها كأستاذة تستوعب كل فكرة، وتعلّق على أي رأي، وتناقش ما يقال لها، ولكن بجد ممتزج بالظرف وخفة الدم..
يومها، سعدت بأنني رأيت ممثلة في جو عائلي حميم، وتأكدت من أن فاتن حمامة سوف تبقى طوال حياتها الفنية في مثل هذا الجو ولن تغادره لتعيش حياتها بالطول والعرض كما تأكدت من أن الغرور لن يأخذ سبيلاً اليها مهما كبرت شهرتها ودوّى اسمها في العالم السينمائي، وما جعلني أذهب الى هذا المدى في التأكد، هو أنها كانت في ذلك الوقت وهي في هذه السنّ المبكّرة، بطلة سينمائية شهيرة ومحبوبة، والعروض لتمثيل الأفلام تنهال عليها من كل جهة ومع ذلك فلم يتملّكها أيّ قدر من الغرور، ولا تزهو بنفسها بمناسبة وبدون مناسبة، مع العلم، بأن الغرور كان يصيب، في تلك الأيام، أي فتاة تظهر ولو لدقائق على الشاشة، أو أي شاب يمثّل دوراً قصيراً وثانوياً بل إن من الذكريات التي تضحكني كثيراً هو أن ممثلة جاءت يوماً الى بيروت، وصار يعلن عنها كضيفة شرف في كثير من الحفلات الفنية على أنها نجمة فيلم «يحيا الحب» الذي مثّله الموسيقار محمد عبد الوهاب، وعندما ذهبت لأرى هذا الفيلم، وأبحث عن هذه الممثلة التي يُقال إنها نجمة، وجدت أنها لم تمثّل فيه سوى دور يستغرق عرضه على الشاشة ثوانٍ قليلة!.

... (البقية على صفحات مجلة "الموعد" النسخة الورقية)

 
 
المقالة التالية

Join our Newsletter
إنضم الى بريدنا الإلكتروني